ساسة بوست > غير مصنف |
نحن ذنوب القرار وهي كثيرة
نحن ذنوب القرار وهي كثيرة

الصورة النمطية للممرض في مجتمعنا للأسف تختزلُه في مهمّة الحقن والتضميد ورقع الجروح على أقصى تقدير. الأصل في الأمر أنّ المنتسب لقطاع التمريض في تونس عادة ما يكون بعد تجربة دراسية غير ناجحة، لذا يعتبر هذا التوجّه بمثابة التكوين المهني لا تكوينًا جامعيًا قائمًا على أسُس صحيحة. يتدرّبُ على أن يصبح رمزًا للتباعية وألة تنفيذ مُفرغة من أصول التعامل وكأنّ التمريض جُرمه الأبدي الذي يرغمهُ على إرهاق المريض بخدمة رديئة ويؤسس لفكرة الفرملي، وهي تسمية متفرنسة تُنسبُ للممرّض، ليستمرّ التشويه. ليت الإساءة انتهت عند حلقة الإفراغ والطاعة. تقاعسٌ جليٌّ من السهل التفطنُ له، يكفي أن تزور الأقسام الاستشفائية على الساعة العاشرة صباحًا لتصطدم بواقع مرير حَقًّا : الفوضى تعمُّ وتسيطر على المكان.

تونس، منذ 2008، أدرجت مجال التمريض في منظومة التكوين الجامعي تحت مُسمّى علوم التمريض، تدرّس بالمعاهد العُليا لعلوم التمريض بخمس ولايات تونسية (تونس، سوسة، صفاقس، الكاف، قابس). الأجيال الجديدة من الممرضين عاهدوا أنفسهم أن أسمّى غاياتهم هي النهوض بصورة الممرّض، وبذلك تحسين الخدمة الصحية المُقدّمة للمريض. يتلقى طالب التمريض دروسًا تطبيقية ونظرية على حدّ السواء في جميع الاختصاصات الطبية بطريقة حديثة، وعلى أعلى مستوى، وذلك من خلال الانفتاح على التجارب التمريضية بفرنسا وكندا. اليوم نحن أمام مصطلح التمريض التخصصي، حيث يتم تكوين الطالب في مجال الإنعاش والطوارئ وغرف العماليات.

في إطار ماجستير تخصصي، أي نحن اليوم أمام ممرّض جامعي باحث من خلال مراجعة النظريات العلمية التمريضية للباحثين كـكاليستا روي وفريجينيا أندرسون. هذه التجارب في البحث مهّدت لظهور أوّل دفعة لدكاترة علوم التمريض وظهور المذهب البحثي بعد أن كان الممرّض مختزلًا في عملية التنفيذ. ربّما هذه الثورة في القطاع لم ترق للكثيرين الذين انتفعوا من الصورة النمطية المستهلكة، وكأنّ هذا التيّار يمهّد لبداية النهاية في التحكّم في أفاق المهنة وبسط التصوّرات. فالجيل الناشئ يراهنُ على التخصص في التوجّه الجديد للمهنة من خلال ما يُسمّى بإدارة العلاج، وتنظيم دورات تكوينة وتقديم هيكل ينظّم العلاقات بين الممريضن وبقية المساهمين في المشهد الصحي. هيكلٌ مستقلٌ عن كلّ الاتحادات والالتزامات بشروط اللعبة الساسية والنقابية التقليدية، حيث يكون هذا الطرح هو في الأصل تيّار إصلاحي بالأساس يهتمُ بالتكوين المستمرّ للممرض ومواكبة الإنجازات والبحوث في العالم من خلال الانخراط في فيدرالية العالمية للممرضين.

العالم تجاوز أزمة التحقير من مهنة التمريض النبيلة. أنا المنتسبُ اليوم لقطاع مستهدفٍ من جانب التيّار القديم الرافض للتغيير وأصحاب القرار الذين حاربوا الإنفتاح ووحش الخواص الذين دفعوا بأناس غير مؤهلين للانتساب للمهنة. كلّ هذه العوامل ساهمت في انحدار القيمة العلمية للشهادة التمريض التونسية وفقدان الجودة.

على أمل المؤتمر التأسيسي لــــــلعمادة الوطنية للممرضين الشبّان هيكل مستقل هادف تحدّى الصعاب والعراقيل وقطع مع الموروث الشعبي البالي. مساندٌ لقضايا القطاع وداعم للطلبة علوم التمريض وهادف إلى إكساب الإجازة التطبيقية لعلوم التمريض طابع العالمية وحالمٌ بمرحلة دكتوره بحث في علوم الصحّة في إحدى معاهدنا العُليا.

رجاءً كفّوا أيديكم وألسنتكم عن التمريض وعن الجيل الجديد وعن مولود ننتظر قدومهُ (العمادة) فلنا في قطاعنا ما نعمل … تونس التي نُحبُ و نهوى لما لا تكون رائدة في المجال مع توفّر جيل طموح مؤمنٍ بالقضية مبادرٌ بالمحاولة وقادرٌ على التغيير، أيها الممرض الشّاب بادر فشرف الإنسان في المحاولة.

إذا خمدت هذه الروح وانتشر الزور فما جدوى الاجتهاد إذًا.

عاش التمريض مستقلًا أبد الدهر.

عاشت نضالات الكوادر الشابة التمريضية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست


الأكثر قراءة عبر حصاد