ساسة بوست > غير مصنف |
موت جدي علمني أن أعيش
موت جدي علمني أن أعيش

إلى الأرواح التي أعشقها إلى يوم مماتي، إلى جدي وجدتي الذي كان خبر وفاتهم علي كالصاعقة التي اخترقت قلبي وأبقته على تشوهه، سلامٌ لكم وعليكم وأحبكم.

2132017 يوم عيد الأم كان الأسوأ على الإطلاق، انطلاقة لمفاهيم حياةٍ جديدة وحزنٍ لن يندفن، كان المعنى الحقيقي للموت وأنت على قيد الحياة.

ستة أشهرٍ مرت ولم يعرف قلمي أن يخط كلمةً واحدة لوصف ما عانيته منذ ذلك الوقت، صحيح؛ فأصعب أنواع الكتابةِ تكون عن الحب والموت، ومقالي هذا عن الاثنين معًا.

القصة بدأت في صباح يوم 21 مارس (أذار) كنت أغسل الأواني المتراكمة، حتى حط عليّ الخبر غير المتوقع المتمثلة بوفاة جدي في الأردن، سمعت ذاك الخبر، لم أقم حينها بأية ردة فعل، بل أكملت عملي، وبقيت أردد في نفسي وللمرة المليون هذا كابوس سوف أستيقظ منه، هذا كابوسٌ سوف استيقظ منه.

بدأ أبي وأخي بتحضير الأوراق للسفر لأمي وبدأت بمساعدتهم في تحضير الحقيبة دون أية ردة فعل مني، حتى الثانية ظهرًا أمسكت بهاتفي مرتعبة، وبدأت بالاتصال بأمي، خالتي، أخوالي، الهاتف يرن وقلبي من شدة ارتعاده كاد يتوقف، تمنيت للمرة المليون أن لا يجيبني أحد، وأن استيقظ مما أنا فيه.

لكن خالي أجابني هنا، لم أدر ماذا أقول، طار كل شيء حتى خرجت مني كلمة كيف حالك، سؤالٌ ليس بمكانه الصحيح، ولكني سألته، بقي يردد: الحمد الله، هذه مشيئة الله يا عزيزتي، ابقي قوية، هنا انفجرت باكية كبركان تم كبته لآلاف السنين، لامس صوته الممتلئ بالحزن ودموعه المكبوتة قلبي، فلم أستطع التحمل، تأكد لي كل شيء، هذه ليس كابوسًا، وأنا لست نائمة.

أغلقت هاتفي وبدأت بالبكاء من جديد كشخص لم يبك طيلة عمره، وأتته هذه الفرصة، أحسست بقلبي كاد أن يتوقف لم أتمالك نفسي، حتى أتى أخي ذو التسعة أعوام، عانقني وقال لا تبكي؛ فجدي الآن في الجنة، ونحن سنزوره قريبًا، فلم البكاء! يا الهي يا لبراءة الأطفال، تمنيت حينها أن أكون في التاسعة من عمري.

مر يومان على الحادثة، خلالها كنت أضحك بعض الوقت، وأبكي مراتٍ أخرى، تخبطت بالعديد من المشاعر، في لحظات الضحك كنت أحتقر نفسي كيف أضحك ونحن في هذا الظرف، حقًا لا أدري ما أصابني، وكلنا بلا استثناء في هذا العالم ممرنا بهذا الموقف، المشاعر المتخبطة، والفقدان، والمشاعر غير المفهومة.

كان الوجع الأكبر أن جدي توفي فجأة، هو شخصٌ محافظٌ جدًا على صحته قويٌ جدًا، لم يشكُ في يوم من الأيام من تعبٍ أو مرض، حتى اليوم المشؤوم حين شعر بألمٍ في صدره، فاضطر للذهاب إلى المستشفى والمبيت حتى توفي في اليوم الثالث…، كل شيء حدث في لمح البصر، لم يستوعب أحد ما جرى، كيف توفي؟ ماذا حصل؟ كابوس؟ كذب؟ مستحيل؟

بالطبع لا مجيب على هذا

قررت الجلوس وحدي لفترة لأستجمع قواي، لأن هذه حياة والموت حقٌ علينا، لأني أريد أن تبقى أمي قوية عند عودتها…، لم أستطع كتابة أي شيء، فهذا كان صعب علي كتابة حقيقة لا تريد تصديقها، ولكنك مجبرٌ على ذلك.

موت جدي ذكرني بالعديد من الأشياء كيف أن الموت يمكن حقًا أن يكون فجأة دون أي مقدمات، كيف يجب أن تعود قويًا، موت جدي علمني كيف أعيش دون تردد أن لا أحاول إزعاج أحد، وأن أفصح عن مشاعري لمن أحب، فإنك مفارقه.

حمدت الله على الصور التي التقطتها معه، على المرات التي قلت فيها: سأكلمه، وكلمته دون تردد، على كل عناقٍ عانقته، وكل كلمة أحبك قلتها له.

لكل من يقرأ هذه الكلمات أتمنى أن تعيش حياتك كما تود وأكثر، عش ببساطه، لا تحاول أن تبغض أحد، لا تجعل للتأجيل مكانًا في يومك، حدث كل شخص أنت مشتاقٌ له وعبر عن مشاعرك ولا تندم، فلا مجال للندم في حياتنا، افعل الآن أو كن نادمًا. ولا تنتظر موت أحد لتتذكر كيف تعيش.

كلُ شيء يحدث بسبب ولسبب، والحمد الله على وجع الحياة وهو الموت، بالرغم من صعوبته علينا، إلا أنه نعمة، وهذه هي الحقيقة التي لا مفر منها.

بالرغم من كل أوجاع الحياة التي لا مفر منها، لا تنس ابتسامتك، ولا تنس أن تعيش.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

كلمات مفتاحية:


الأكثر قراءة عبر حصاد