ساسة بوست > غير مصنف |
آلام طبيب عيون (9) عفوًا.. تشخيصك خاطئ!
آلام طبيب عيون (9) عفوًا.. تشخيصك خاطئ!

على مرّ الدهور وكرّ العصور كان الأطباء الحاذقون هم ملاذ الناس من آلام المرض، ولكن حكمة الله البالغة شاءت أن يعجز الطبيب أمام أمراض لا دواء لها، اختلفت تلك الأمراض بين عصر قديم كثر فيه هذا العجز وعصر حديث تقدم فيه الطب؛ حتى انحلت أغلب المعضلات المرضية، ولكن اجتمع الحكماء والأطباء والشعراء والأدباء على ثلاثة أدواء لا علاج لها عند الأطباء أبد الدهر؛ فمهما علا علم الأطباء، استعصت عليهم تلك الأسقام المعجزة، أولها وثانيها: الموت والهِرم، فقد قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: (تداووا يا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء ، إلا داء واحدًا، الهِرم – وفي رواية أخرى: السّام أي الموت) .

وثالثها العشق! فقد قال الأخرس:

عجز الطَّبـــــيب وأيُّ داءٍ .. في الفؤاد له وجيـــــــب

كيفَ الدَّواء من الهــــوى .. في الحبِّ إنْ عجز الطَّبيـب

ولكن قد يتجلى عجز الطبيب في عجزه عن تشخيص الداء أصلًا، وهذا له ثلاثة أسباب لا ثالث لهما:

1- أن يكون تشخيص المرض نفسه معضلًا، وهو يحدث في أمراض محددة ذكرها علماء الطب وسجلت المراجع كثرة حدوث ذلك في تلك الأمراض.

2- أن يكون الطبيب مُهملًا، فهو على علم ودراية، ولكنه لا ينتبه للحالة جيدًا، إما لإرهاقه وقلة تركيزه، وإما لطمعه وجشعه وبحثه عن الحالات التي تدرّ له المال الوفير، وإما كراهية للمكان الذي يعمل فيه، وهذا طبعًا يحدث كثيرًا في المستشفيات الحكومية المبجلة التي ترهقك بالعمل ولا تعطيك إلا الفُتات!

3- أن يكون الطبيب ضعيفًا علميًا أو غير مؤهل للتشخيص لنقص خبرته ومهارته التشخيصية، وهذا يحدث لكثير من الأطباء حديثي العهد بالمهنة أو قديمي العهد الذين لم يجدوا فرصة للتعلم لإهمال منظومة الصحة لهم حين وضعتهم في أماكن غير مجهزة بالإمكانيات المادية، وغير مجهزة بالأطباء الكبار الذين يجب أن يؤدوا رسالتهم بتعليم صغار الأطباء.

إذن عجز الطبيب عن التشخيص مشكلة واردة في الحياة العملية، إما لأسباب مقبولة، وإما لأسباب مأساوية كارثية، ولكن لا بأس أن يعجز الطبيب، فكلٌ له حدوده وقدراته، ولكن حينها تقتضي أخلاق المِهنة أن يصارح الطبيبُ المريضَ بأنه لا يستطيع تشخيص مرضه، وهنا على المريض أن ينصرف رافعًا القبّعة لهذا الطبيب الأمين الذي لا يخجل أن يقول: (لا أدري) التي هي نصف العلم كما قالوا قديمًا، والتي ستوفر على المريض وقتًا ومجهودًا ومالًا ضائعًا لو أن هذا الطبيب خدع المريض وأعطاه تشخيصًا خاطئًا وعلاجًا مزيفًا ليدخل المريض في دوامات لا آخر لها.

ورحم الله ابن عمر – رضي الله عنه – سُئل عن مسألة فقال للسائل: لا أدري، فلما انصرف السائل قال ابن عمر يحدث نفسه: بخٍ بخٍ يا بن عمر سُئلتَ فقلت لا أدري! فقد فرح ابن عمر بنفسه فرحًا عارمًا استحسانًا لفعلته لمّا انتصرت نفسه المتواضعة الخاشية لربها على نفسه المتكبرة الآنفة، وهذا قليل في عالم البشر!

ولكن هل أطباء زماننا يفعلون ذلك؟ أقول: يا للأسف لا، إلا من رحم ربّي، فجلّ هؤلاء الأطباء يستنكفون أن يعترفوا بضعفهم ونقصهم ليدفع ثمن ذلك المريض المسكين فيهيم في متاهات تجعل الحليم حيران بين العيادات والأطباء!

إنني أعرف مريضًا ظلّ يتنقل بين الأطباء خمس سنوات كاملة، كل طبيب يعطيه تشخيصًا مختلفًا وأدوية مختلفة حتى نحل جسده وانهارت قواه وفقد أعصابه، وحينما وصل للتشخيص الصحيح بعد خمس سنوات من العذاب والألم والأدوية الخاطئة والأموال المهدرة كان قد أصيب بالاكتئاب حتى عجز الأطباء النفسيون عن علاجه، وهو يعيش الآن في مرارة وحسرة ينتظر رحمة الله!

أحب أن أتكلم عن مأساة كثير من الأطباء المبتدئين في المستشفيات الحكومية الذين يتم دفعهم للكشف على المرضى قبل أن يكتسبوا الخبرة الكافية التي تؤهلهم لحمل أمانة المريض؛ فيعطون تشخيصات خاطئة، وأحيانًا يجتهدون في التشخيص بلا علم؛ لعدم وجود من هو أكبر منهم ليستشيروه، فتكون النتيجة أخطاء قاتلة؛ فيأتي إلينا هؤلاء المرضى بعد عدم تحسن حالتهم أو تدهورها أحيانًا؛ فنكتشف أنهم شُخصوا خطأً، وهنا يصبّ المريض لعناته على الطبيب المخطئ، ويتساءل ببراءة عن مآل الطب في بلادنا!

ولكن مأساة الطبيب المبتدئ الذي لم يؤهل حتى هذا الحين لا تتوقف عند هذا الحدّ في المستشفى الحكومي؛ فإنه لا يحصل على راتب يكفل له حياة آدمية، فيضطر للعمل في المراكز والمستوصفات الخاصة ليستطيع الحياة، فيوسع دائرة الخطأ والعبث؛ لتشمل من يدفع من المرضى بعد أن كانت قاصرة على من لا يدفع!

في النهاية أيها المريض أرجو تكون قد فهمت ملخص تلك الحكاية الهزلية، ولكن رجائي منك شيء واحد، وهو ألا تصب جمَّ غضبك على الطبيب المقهور وحده، وإنما أخصص النصيب الأعظم من غضبك على من فعل هذا بالطبيب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست


الأكثر قراءة عبر حصاد